الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
145
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالإنذار بالعذاب . فأعلمهم أن العذاب الذي استهزءوا به واقع لا يدفعه عنهم تأخر وقته ، فإن أرادوا النجاة فليحذروه . وقوله : مِنَ اللَّهِ يتنازع تعلقه وصفا واقِعٍ و دافِعٌ . و مِنَ للابتداء المجازي على كلا التعلقين مع اختلاف العلاقة بحسب ما يقتضيه الوصف المتعلّق به . فابتداء الواقع استعارة لإذن اللّه بتسليط العذاب على الكافرين وهي استعارة شائعة تساوي الحقيقة . وأما ابتداء الدافع فاستعارة لتجاوزه مع المدفوع عنه من مكان مجازي تتناوله قدرة القادر مثل مِنَ في قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [ التوبة : 118 ] وقوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ [ النساء : 108 ] . وبهذا يكون حرف مِنَ مستعملا في تعيين مجازين متقاربين . وإجراء وصف ذِي الْمَعارِجِ على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلالة ولإدماج الإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء قال تعالى : لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ [ الزخرف : 33 ] . ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] ، وليكون من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين . و الْمَعارِجِ : جمع معرج بكسر الميم وفتح الراء وهو ما يعرج به ، أي يصعد من سلم ومدرج . [ 4 ] [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 4 ] تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) اعتراض لبيان أن المعارج منازل من الرفعة الاعتبارية ترتقي فيها الملائكة وليست معارج يعرج إليه فيها ، أي فهي معارج جعلها اللّه للملائكة فقرب بها من منازل التشريف ، فاللّه معرج إليه بإذنه لا عارج ، وبذلك الجعل وصف اللّه بأنه صاحبها ، أي جاعلها ، ونظيره قوله تعالى : ذُو الْعَرْشِ [ غافر : 15 ] . و الرُّوحُ : هو جبريل عليه السلام الموكل بإبلاغ إرادة اللّه تعالى وإذنه وتخصيصه بالذكر لتمييزه بالفضل على الملائكة . ونظير هذا قوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [ القدر : 4 ] أي في ليلة القدر .